أحمد بن محمد مسكويه الرازي
149
تجارب الأمم
ثمّ قام فيهم خطيبا . فذكر الله عزّ وجلّ ، وذكر ما أنعم به عليه وعليهم بآبائه ، وما أقاموا من إربهم ، ونفوا من أعدائهم ، وما اختلّ من أمورهم في الأيّام التي مضت من أيّام صباه ، وأعلمهم : أنّه يستأنف العمل في الذبّ عن البيضة ، وأنّه يقدّر الشخوص [ 1 ] إلى بعض الأعداء لمحاربته ، وأنّ عدّة من يشخص معه من المقاتلة ألف رجل . فنهض إليه القوم داعين متشكرين ، وسألوه أن يقيم بموضعه ويوجّه القواد والجنود ليكفوه ما قدّر من الشخوص فيه . فأبى أن يجيبهم إلى المقام . فسألوه الازدياد على العدة التي ذكرها ، فأبى . ثم انتخب ألف فارس من صناديد [ 134 ] جنده وأبطالهم وأغنيائهم ، وتقدّم إليهم في المضىّ لأمره ، ونهاهم عن الإبقاء على العرب وعلى من لقوا منهم ، ووصّاهم ألَّا يعرّجوا [ 2 ] على مال ولا غنيمة ولا يلتفتوا إليه . ثم سار بهم ، حتى أوقع بمن انتجع بلاد فارس من العرب وهم غارّون [ 3 ] . فقتل منهم أبرح القتل ، وأسر أعنف الأسر ، وهرب بقيّتهم . ثم قطع البحر في أصحابه فورد الخطَّ [ 4 ] ، واستبرى بلاد البحرين . فجعل يقتل أهلها ولا يقبل فداء ولا يعرّج على غنيمة . ثم مضى على وجهه ، فورد هجر [ 5 ] وبها ناس من تميم وبكر بن وائل وعبد القيس . فسفك فيهم من الدماء سفكا سالت كسيل المطر ، حتى كان الهارب منهم يرى أن لن ينجيه غار ولا جبل ولا بحر ولا جزيرة . ثم عطف إلى بلاد عبد القيس ، فأباد أهلها إلَّا من هرب منهم . فلحق بالرمال ، ثم أتى اليمامة [ 6 ] ،
--> [ 1 ] . يقدّر الشخوص : ينوي الخروج . [ 2 ] . عرّج : مال . [ 3 ] . مط : غازون . الغارّون : الغافلون . [ 4 ] . أرض تنسب إليها الرماح ، وهو خطَّ عمان في سيف البحرين ، والسيف كلَّه الخطَّ ، وفيه : القطيف ، والعقير ، وقطر ( مع ) . [ 5 ] . هجر : ناحية البحرين ، وقيل : مدينة هي قاعدة البحرين ( مع ) . [ 6 ] . اليمامة : بلد كبير فيه قرى وحصون ونخل ، وكان اسمها أولا جوّا ( مع ) .